الشيخ محمد حسين الحائري
219
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
المستعمل في المقيد مجازا والعام واسم الجنس مفرد أو مركبا إذا اختصت بالدلالة على بعض ما دل عليه المطلق واعتبرت بالقياس إليه كما لو قال أكرم عالما ثم قال أكرم زيدا العالم أو هذا الرجل العالم أو الفقهاء أو الفقيه أو العلماء الفقهاء أو العالم الفقيه ونحو ذلك وهذا التعميم هو المناسب لما يقتضيه المقام فإن الظاهر أن المباحث اللاحقة للمقيد عندهم لاحقة للجميع ويخرج عنه المذكورات حيث لا يكون لها مطلق أو لا تعتبر بالنسبة إليه فإنها حينئذ لا تسمى مقيدا في الاصطلاح وقد يعرف بأنه ما أخرج من شياع فيختص بالمطلق المقيد كرقبة مؤمنة فإن الرقبة وإن كانت باعتبار نفسها مطلقة من حيث شيوعها في حصص جنسها لكنها باعتبار تقييدها بوصف المؤمنة مقيدة لخروجها بهذا الاعتبار عن الشيوع واختصاصها بالبعض وربما يتناول المطلق الذي أخرج من شياعه بالوضع أيضا كالانسان إذا جعل علما لرجل إلا أن يقال المراد ما أخرج بالتقييد لأنه المتبادر من إطلاقه هنا فلا يتناول ذلك وقد نص صاحب المعالم على أن هذا هو الاصطلاح الشائع في المقيد وهو غير بعيد إلا أن الأظهر هو المعنى الذي ذكرناه على ما يساعد عليه فحاوي مباحثهم وإطلاق المقيد فيه على غير المطلق المقيد كالعلم إنما هو باعتبار تحقق المطلق مقيدا فيه أو باعتبار الحكم وعرفه العضدي بما دل لا على شائع في جنسه قيل وإنما أخر اعتبار النفي عن الدلالة لئلا ينتقض بالمهمل ويضعفه أن المهمل لا جنس له كما يقتضيه لفظ الحد في متفاهم أهل الاستعمال وهذا التعريف يتناول اسم الجنس مطلقا لعدم دلالته على حصة شائعة وكذلك ألفاظ العموم الشمولي ومطلق المعهود الخارجي والمطلق المقيد ولا يدخل فيه العلم الشخصي مطلقا إذا أريد كون الجنس مدلولا عليه في المقيد بالمطابقة وتدخل إن أريد ما يعم الدلالة التضمنية مطلقا ومثله العام الذي يدل على جنسه بالتضمن كالنساء والموصولات والتحقيق أن هذا المعنى أيضا غير مناسب للمقام كما لا يخفى فصل إذا ورد مطلق ومقيد فإما أن يكون مؤداهما حكمين تكليفيين متحدين نوعا أو مختلفين أو وضعيين كذلك أو يكون أحدهما تكليفيا والاخر وضعيا فإن كان الأول فإن تعدد مورد الحكم فلا حمل سواء كانا مرسلين أو معللين مع اتحاد الموجب واختلافه أو كان أحدهما مرسلا والاخر معللا نحو أكرم هاشميا جالس هاشميا عالما إذ وقوع التقييد في أحدهما لا يوجب وقوعه في الاخر لا عقلا ولا عرفا وإن قدر بين إطلاق أحدهما وتقييد الاخر منافاة ويظهر الثمرة فيما لو نسخ عنه الامر بالمقيد أو عصي فيه على ما مر تحقيقه في مسألة الضد وكذا إذا اتحد مورد الحكم مع تعدد الموجب نحو إن ظاهرت فأعتق رقبة وإن أفطرت فأعتق رقبة مؤمنة لما مر وخالف في ذلك الشافعي فالتزم فيه بحمل المطلق على المقيد وحمله أكثر الشافعية على ما إذا كان هناك جامع فيكون الحمل بالقياس وحكى بعضهم عنه المصير إلى الحمل وإن لم يكن فيه جامع لان كلام الله واحد يفسر بعضه بعضا وضعف كل من القولين على أصولنا ظاهر لا سيما الأخير وأما على أصولهم فالقول الأول متجه لكن قد وافقنا على منعه بعض أهل الخلاف واحتج عليه بأنه لو جاز لكان نسخا للحكم الشرعي وهو التخيير الثابت من الاطلاق بالقياس وأنه غير جائز وأورد عليه أولا بالنقض بالتخصيص فإن هذا البعض قد أجاز تخصيص العام بالقياس فيلزمه أن يكون القياس ناسخا للحكم الشرعي وهو العموم وهذا النقض إنما يرد لو أجاز هذا القائل تخصيص العام بالقياس على أصل متأخر الورود عن العام وأما لو خصه بالمتقدم فلا ورود له عليه إذ لم يثبت عمومه حينئذ لمقارنة القياس معه ومنه يظهر بطلان إطلاقه المنع في المقام أيضا وثانيا بأن مفاد الامر بالمطلق ليس الامر بمقيداته على التخيير وإنما مفاد الامر بالامر الكلي سواء فسر المطلق بالماهية من حيث هي أو بالحصة الشائعة أما على الأول فظاهر وأما على الثاني فلان الحصة الشائعة أيضا كلي لصدقه على حصص كثيرة نعم لما كان مأمورا بإيجاد الطبيعة وهي لا يتحقق إلا في ضمن الفرد وجبت الافراد تخييرا من باب المقدمة ويضعف هذا الوجه ما حققناه سابقا من أن مورد الطلب إنما هو الأمر الخارجي من الوجود الخارجي أو الماهية الخارجية وهما شخصيان وأن مدلول النكرة جزئي مردد لا كلي فيرجع التكليف بهذا الاعتبار ولو بضميمة الحكمة إلى التخيير وإن رجع باعتبار الطبيعة المطلوب إيجادها إلى التكليف التعييني نعم يتجه عليه أنا لا نسلم أن النسخ عبارة عن مطلق رفع الحكم الثابت ولو في الظاهر وتحقيق الكلام فيه يأتي في بحث النسخ إن شاء الله وإن اتحد مورد الحكم واتحد الموجب فإن كانا أمرا فقد أطبقوا فيه على وجوب حمل المطلق على المقيد بمعنى تعين العمل بالمقيد بعد وروده واشترط فيه بعضهم كالسيد العميد أن يعلم وحدة التكليف ولا حاجة إليه لان الكلام فيما يقتضيه المطلق والمقيد بالنظر إلى ذاتهما ولا ريب أن الظاهر منهما بحسب العرف وحدة التكليف نعم لو قام دليل في مقام على تعدد التكليف فلا حمل إذ لا موجب له كما لو تعدد المورد وينبغي تنزيل إطلاق كلام الآخرين على ذلك ثم اختلفوا في وجه الحمل فالأكثرون على أن المقيد مبين للمراد بالمطلق سواء تقارنا أو تقدم أحدهما على الاخر وذهب قوم إلى أن المقيد إذا تأخر كان ناسخا للمطلق وهذا النزاع يحتمل أن يكون لفظيا ويحتمل أن يكون معنويا وتحقيقه أن لقول القائل إن ظاهرت فأعتق رقبة شمولا من حيث الافراد وشمولا من حيث الأزمان فإذا تعقبه قوله إن ظاهرت فأعتق رقبة مؤمنة احتمل أن يكون رافعا لشموله الافرادي فيكون تقييدا ولشموله الازماني فيكون نسخا والنزاع على هذا معنوي أو نقول لا كلام في أن الثاني إنما يرفع الشمول الافرادي حقيقة وإنما الكلام في أنه هل يسمى نسخا نظرا إلى رفعه للحكم